علي الفاضل القائيني النجفي
60
علم الأصول تاريخا وتطورا
ولا ريب انّ الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها كلّها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشريعة ، ولهذا قد استفاضت الأخبار . . . بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم « عليهم السلام » وعلم صادر عنهم « صلوات اللّه عليهم » ووجوب التوقّف والاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم ووجوب الردّ إليهم في جملة منها ، وما ذاك إلّا لقصور العقل المذكور عن الاطلاع على أغوارها واحجامه عن التلجج في لجج بحارها ، بل لو تمّ للعقل الاستقلال بذلك لبطل ارسال الرسل وانزال الكتب ، ومن ثمّ تواترت الأخبار ناعية على أصحاب القياس بذلك . ( ثمّ ذكر الأخبار الدالة على ذلك ) إلى أن قال : إلى غير ذلك من الأخبار - المتواترة معنى - الدالة على كون الشريعة توقيفية لا مدخل للعقل في استنباط شيء من أحكامها بوجه . . . إلّا أنّه يبقى الكلام بالنسبة إلى ما يتوقّف على التوقيف . فنقول : إن كان الدليل العقلي المتعلّق بذلك بديهيّا ظاهر البداهة كقولهم : الواحد نصف الاثنين ، فلا ريب في صحة العمل به ، والّا فإن لم يعارضه دليل عقلي ولا نقلي فكذلك ، وإن عارضه دليل عقلي آخر ، فان تأيّد أحدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيد بالدليل النقلي وإلّا فاشكال ، وإن عارضه دليل نقلي ، فان تأيد ذلك العقلي أيضا بنقلي كان الترجيح للعقلي ، إلّا انّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليات ، وإلّا فالترجيح للنقلي ، وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره ( السيد الجزائري ) وخلافا للأكثر . هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق ، امّا لو أريد به المعنى الأخص وهو الفطري الخالي من شواهب الأوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلّام وإن شذّ وجوده بين الأنام ففي ترجيح النقلي عليه اشكال « 1 » ؛ وقويت هذه الطريقة في القرن الحادي عشر والثاني عشر حتى أوائل الثالث عشر الهجري ، ولكن الطريقة الأصولية تغلّبت عليها بمواقف الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أكمل المتوفى سنة ( 1206 ) . ثمّ تبعه تلميذه المحقق الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي المتوفى سنة ( 1228 ) .
--> ( 1 ) - الحدائق الناضرة 1 : 129 - 133 .